أخصائي نفسي: محمد الأسطى
February 12, 2025 at 08:11 AM
تخيل أنك تقف أمام مرآة، لكنها ليست عادية. إنها مرآة شُكّلت عبر السنوات من كلمات الآخرين، من المقارنات، من الإخفاقات الصغيرة التي كبرت في ذهنك حتى أصبحت حقيقة لا تقبل الجدل. تنظر إليها فترى صورة مشوهة لنفسك—أقل مما أنت عليه، مليئًا بالنواقص، غير كافٍ مهما فعلت.
لكن هل هذه هي حقيقتك، أم أنها مجرد انعكاس مشوه لقصص قديمة عشتها؟
تقدير الذات ليس ضوءًا ساطعًا يأتي فجأة ليبدد كل الشكوك، وليس لحظة إدراك واحدة تغير كل شيء. إنه بناء طويل، حجر فوق حجر، يبدأ حين تتوقف عن قياس قيمتك بأحكام الآخرين، حين تدرك أنك لست بحاجة إلى أن تكون كاملًا حتى تكون جديرًا بالاحترام والحب.
هناك أصوات في رأسك، بعضها صوتك، وبعضها ليس لك، لكنها ترسخت داخلك حتى ظننت أنها جزء منك. تهمس: "لست جيدًا بما يكفي." تذكّرك بالإخفاقات، بالمقارنات، بكل لحظة شعرت فيها أنك أقل. لكن، ماذا لو لم تكن هذه الأفكار صحيحة؟ ماذا لو كنت ترى نفسك من خلال عدسة غير عادلة؟
تقدير الذات يبدأ من الداخل، من الطريقة التي تتحدث بها إلى نفسك حين تخطئ، من قدرتك على أن تكون صديقًا لنفسك بدلاً من أن تكون قاضيًا قاسيًا عليها. أن تتوقف عن البحث عن قيمتك في عيون الآخرين، وأن تبدأ في رؤيتها في ذاتك، في إنجازاتك مهما بدت صغيرة، في نضالك اليومي لتكون أفضل دون أن تمحو نفسك في الطريق.
ليس الأمر في أن تصبح مثاليًا، بل في أن تتقبل أنك إنسان، أن تحترم نفسك بما يكفي لتمنحها ما تستحقه—التقدير، القبول، والرحمة. وحين تنظر في المرآة، أن ترى نفسك بوضوح، كما أنت، بلا مبالغة في العيوب، ولا تهوين للقيمة التي تحملها.
أن تقدر ذاتك لا يعني أن تتجاهل عيوبك، بل أن تتقبلها دون أن تمحو قيمتك بسببها. أن تعرف أنك ستخطئ، ستتعثر، ستواجه لحظات ضعف، لكنك رغم ذلك تستحق أن تحب نفسك. أن تتحدث إليها بلطف، كما لو كنت تتحدث إلى شخص تحبه، لا كما لو كنت قاضيًا ينتظر الخطأ ليصدر حكمه.
تقدير الذات ليس وجهة تصل إليها، بل رحلة مستمرة، في كل مرة تقول فيها: "أنا كافٍ كما أنا، حتى وأنا أعمل لأكون أفضل."
❤️
👍
8