تأملات سلوكية
May 22, 2025 at 02:50 AM
مقامة سفر الروح بين هجير الخوف وظلال الرجاء حدثني صاحبي عند مطالع الأسحار، إذ رقّت الأغيار، وتجلى لي جلال الواحد القهار، وأوقد في فؤادي نار الحنين والانكسار، أن يا هذا، إن الخشية شجرة أصلها الخوف وفرعها الرجاء، فمن لم يذق طعم الرجاء بقي معذّبًا بظنون الفرق، محجوبًا عن بساتين الجمع. فقلت: يا صاح، ما الرجاء إلا سفينة السالكين في بحر الظلمات، ومصباح العارفين في ليل الوحشة، به يحيا القلب حين يوشك أن يموت من رهبة الفرق، وبه يأنس السالك حين تكاد نفسه تتيه في بيداء البعد. فالرجاء في مقام الفرق هو الأمل في مغفرة الله، وهو اليقين بأن رحمته وسعت كل شيء، فيردد العبد: {قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعًا} [الزمر: 53]. ويمضي في طريقه وهو يرجو أن يُبدل الله سيئاته حسنات، كما قال: {فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات} [الفرقان: 70]. أما في مقام الجمع، فالرجاء ليس رجاء الثواب، بل رجاء اللقاء، هو رجاء الحضور الأبدي في حضرة القرب، هو رجاء القرب من جمال الله وجلاله، فهو رجاء الحب الذي لا يشوبه طمع ولا شهوة، إنما هو رجاء العبد الذي يتيه شوقًا إلى لقاء مولاه راضيا عنه، ويحنّ إلى لحظة لا يذكر فيها إلا الله. قال سيدنا ابن عطاء الله في حكمه: "من علامات الاعتماد على العمل نقصان الرجاء عند وجود الزلل". وهذا رجاء الجمع، حيث لا يرى السالك عمله إلا ذرة في بحار العطاء الإلهي، فيرجو الله لأنه هو الله، لا لأنه هو الغفور فقط. يا صاح، الرجاء إن بقي في الفرق كان رجاء المبتدئ، يخاف العقوبة ويرجو النجاة، أما في الجمع فهو رجاء العارف، يرجو القرب ولو مزقته النيران، ولو قيل له بين يدي الله: "لن تصل إلا مع العاشقين المحترقين" لقال: "أنا عبد بين يديك، إن شئت أدخلتني نيران محبتك، وإن شئت أذقتني برد لطفك". وهكذا قال العارفون: "الخوف يذهب بالعبد إلى الله، والرجاء يدنيه إلى الله، والمحبة تذيبه في الله". فالرجاء هو جسر المحبة، وسُلم الوصول إلى باب الرضا. قال الإمام الغزالي: "الرجاء مع الخوف جناحان للسالك، فلا يطير القلب بأحدهما دون الآخر"، وقال الشيخ عبد القادر الجيلاني: "الرجاء الصادق أن تعمل ولا تتكل، فالراجون في عملهم والآمنون في غفلتهم". فاحذر يا صاح، من رجاء الكسالى، فإنه غرور، وكن من الراجين العاملين، الذين رجوا ربهم لأنهم عرفوا كرمه، واشتاقوا إليه لأنهم أبصروا جماله. وأما في مقام الجمع الحق، فينبغي أن تُخرس الألسنة ويذوب القلب ويخرّ العبد بين يدي ربه وهو يقول كما قال موسى: (رب اغفر لي، فغفر له) ويقول مع الخليل: {الذي يميتني ثم يحيين} [الشعراء: 81]، وكأنه لا يرجو إلا أن يكون في حضرة ربه الكريم حيث: {وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة مستبشرة } اللهم يا من لا يُرجى غيرك، ولا يُخاف سواك، يا من فتحت للراجين أبواب الرجاء، ونصبت للمحبين منائر اللقاء، اجعلنا من عبادك الراجين الذين رجوا عفوك فوجدوه. اللهم زدنا بك شوقًا، واجعلنا ممن ذابوا في محبتك، واجعل رجاءنا محض رجاء لك لا لشيء منك. اللهم اجعلنا ممن جمعت لهم الخشية والرجاء، واجعل قلوبنا معلقة بذكرك، ووجوهنا بيضاء ناضرة يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتاك بقلب سليم. وصلِّ اللهم على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه الراجين الخائفين العاشقين. حسن بن خلف بن سعيد الريامي الخميس 24 ذي القعدة 1446 هجرية 22 مايو 2025 م
❤️ 🤲 2

Comments